محمد بن جرير الطبري

507

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

و " فيض العين من الدمع " ، امتلاؤها منه ، ثم سيلانه منها ، كفيض النهر من الماء ، وفيض الإناء ، وذلك سيلانه عن شدة امتلائه ، ومنه قول الأعشى : ففَاضَتْ دُمُوعِي ، فَظَلَّ الشُّئُونُ : . . . إمَّا وَكِيفًا ، وَإِمَّا انْحِدَارَا ( 1 ) وقوله : " مما عرفوا من الحق " ، يقول : فيض دموعهم ، لمعرفتهم بأنّ الذي يتلى عليهم من كتاب الله الذي أنزله إلى رسول الله حقٌّ ، كما : - 12325 - حدثنا هناد بن السري قال ، حدثنا يونس بن بكير قال ، حدثنا أسباط بن نصر الهمداني ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السديّ قال : بعث النجاشي إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم اثنى عشر رجلا يسألونه ويأتونه بخبره ، فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ، فبكوا . وكان منهم سبعة رهبانٍ وخمسة

--> ( 1 ) ديوانه : 35 . من قصيدته في قيس بن معد يكرب الكندي ، وقبل البيت ، وهو أولها : أَأَزْمَعْتَ مِنْ آلِ لَيْلَى ابْتِكَارَا . . . وَشَطَّتْ عَلَى ذِي هَوًى أن تُزَارَا وَبَانَتْ بِهَا غَرَبَاتُ النَّوَى . . . وَبُدِّلْتُ شَوْقًا بِهَا وَادِّكَارَا فَفَاضَتْ دْمُوعِي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . كَمَا أَسْلَمَ السِّلْكُ مِنْ نَظْمِهِ . . . لآلِئَ مُنْحَدِرَاتٍ صِغَارَا وكان البيت في المخطوطة والمطبوعة : " ففاضت دموعي فطل الشؤون داما حدارًا " ، وهو خطأ محض . " والشئون " جمع " شأن " ، وهو مجرى الدمع إلى العين ، وهي عروقها . ورواية الديوان : " كفيض الغروب " ، و " الغروب " جمع " غرب " ( بفتح فسكون ) ، وهو الدلو الكبير الذي يستقى به على السانية . وقوله : " فظل " بالظاء المعجمة ، لا بالطاء . وقد أفسد وأخطأ من جعله بالطاء المهملة ، وشرحه على ذلك . وهو غث جدًا . و " الوكيف " : أن يسيل الدمع قليلا قليلا ، إنما يقطر قطرًا . " وكف الدمع يكف وكفًا ووكيفًا " . وأما " انحدار الدمع " ، فهو سيلانه متتابعا ، كما ينصب الماء من حدور .